Skip to main content

مفهوم «الفُقدان المُلتبِس» في السياق الفلسطيني

Source
المركز الفلسطيني للارشاد
Publisher
حسام كناعنة
Year
2026

 

»صرت أكره أشوف أخوي… مش كره، قهر. توأمي محمود عايش بينا فقط جسداً 

أما روحه فاضت مع زوجته وأبنائه 

الحزن باين عليه، شكله كإنه عايش مية سنة مش سنتين.

من أيام حكى خلص، بدّوش يدوّر على عِظام مرته وولاده، بس ما قدر.

رجع تحت ركام بيتنا، وقعد ينخّل الرمل بإيديه، حبّة حبّة

لحد ما لقاهم. فعلاً لقاهم.

والنتيجة متل ما إنتوا شايفين:

وجهه اتغيّر، ظهره انحنى، وروحه اتكسّرت.

كمية القهر اللي بوشّه بتحكي عن كل إشي… عن سنتين بحث، وعن قلب ما استحمل«.[i]

 

بالفعل "قهر"، ما في شيء آخر ممكن يوصف ما تعيشه هذه العائلة، إن كان الأخ الثاكل، أو شقيقته، وطبعا آلاف العائلات المماثلة في القطاع وخارجه.

 

الحالة النفسية التي تختبرها الأخت تجاه توأمها محمود هو ظاهرة نفسية تعرف بـ الفقدان الملتبِس(Ambiguous Loss) (بولين بوس، 1999)،[ii] وهو فقدان لا يمكن حسمه، لغياب اليقين حول ما إذا كان الشخص ميتًا أم حيًا، أو حاضرًا جسديًا وغائبًا نفسيًا؛ فهو، عمليًا، فقدان بلا نهاية واضحة أو حقيقة مؤكَّدة، وهو نوعان، النوع الأول: غياب جسدي مع حضور نفسي (جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال، المفقودون تحت الركام، المعتقلون والمختفون قسرًا)، والنوع الثاني: حضور جسدي مع غياب نفسي (نتيجة فقدان الذاكرة، الصدمة، انهيار نفسي، تغيّر جذري بسبب التعذيب في الأسر، تدهور نفسي شديد، أو الانشغال شبه التام في قضية استعادة الجثمان المحتجز أو معرفة مصير المفقود والمختفي قسرًا وتكريمهم من خلال دفنهم) ، وهذا هو حال محمود هنا. 

 

في النوع الأول من هذا الفقدان يكون الشخص غير موجود جسديًا، لكنّه حاضر نفسيًا في الذاكرة والخيال، والأحلام والأمل، كما كتبت بيسان نتيل: "دائمًا، ما سيكون هناك يقين داخليّ عند كل عائلة، أن "المفقود" سيعود" (2025).[iii]

في النوع الثاني يكون الشخص حاضر جسديًا، لكنّه غائب نفسيًا (نتيجة فقدان الذاكرة، الصدمة، انهيار نفسي، تغيّر جذري بسبب التعذيب في الأسر).

بالتأكيد، هذا ليس تشخيصًا، ولا اضطرابًا سريريًا ولا ضعفًا، وليس فشلًا في التكيّف، بل استجابة طبيعية لوضع غير طبيعي (بولين يوس، 2022).[iv]

بكلمات أخرى، هو نوع من الفقد لا يملك نهاية واضحة، لأنه يفتقر إلى اليقين؛ ليس هناك موت مؤكّد، ولا حياة مؤكّدة. في هذا السياق تشير بوس (2022) إلى أنّ هذا النوع من الفَقْد هو الأكثر إرهاقًا نفسيًا لأنّه يمنع الحداد الطبيعي ويعلّق الأمل ويربك المشاعر ويعطّل التكيّف. الأهل هنا يعيشون مشاعر متناقضة (تناقض عاطفي)، مثل الأمل مقابل اليأس والانتظار مقابل الاستسلام والرغبة في التصديق مقابل الخوف من الحقيقة. من الجدير ذكره هنا هو أنّ هذا التناقض ليس ضعفًا نفسيًا بل استجابة طبيعية للفَقد المُلتبِس. من المهمّ القول أيضًا إنّ الفقدان المُلتبِس لا يُعالَج عبر "الحل" أو الإغلاق، بل عبر تعلّم العيش مع الغموض، وإعادة تنظيم المعنى والعلاقات (بولين يوس، 2022).[v]

 

خصوصية السياق الفلسطيني

في السياق الفلسطيني، لا يُعدّ الفَقْد حدثًا فرديًا فقط، بل بنية اجتماعية وسياسية مستمرة، تتكرّر فيها أنماط من الفَقد المُلتبِس، وأبرزها احتجاز جثامين الشهداء في الثّلاجات وفيما يُعرف بـ "مقابر الأرقام" (يشمل جثامين الأسرى الذين استشهدوا داخل سجون الاحتلال)[vi] والمختفون قسريًا والأسرى مجهولو المصير ومَن فُقدوا تحت الأنقاض ومَن لا يُعرف مصيرهم بدقة ومَن انقطع الاتصال بهم وجثامين الشهداء التي سرقها الاحتلال من غزة، والشهداء الذين تبخرت أجسادهم ولم يعثر لهم على أثر. هذه الحالات تنتج ما يمكن تسميته حدادًا بلا جثمان، وذاكرة بلا خاتمة.

هنا، في هذه الأشكال من الفُقدان المُلتبِس، ينطبق النوع الأول من نظرية بولين بوس، حيث نشهد غياب جسدي مع حضور نفسي دائم، والعائلة تعيش حالة من التناقض العاطفي بين الأمل والخوف والانتظار والذنب والعجز.

من جهة ثانية، يتجلى الفَقْد المُلتبِس أيضًا داخل العائلة الواحدة، فحتّى عندما لا يُفْقَد الشخص جسديًا، تظهر أشكال أخرى من الفَقد، مثلًا، شخص نجا لكنّه تغيّر جذريًا نفسيًا، أو أب حاضر جسديًا لكنه غائب نفسيًا بسبب الصدمة، أو أهل منشغلون في استعادة جثمان ابنهم الشهيد أو في معرفة مصيره، وهو ما يوصف بـ "تجميد الأبوّة والأمومة والبنوّة"،[vii] أو طفل لم يعد كما كان من هول الصدمة، أو أسير محرّر، لكنّه لم يعُد كما كان أو كما كُنّا نعرفه (هذا مش أخونا اللي بنعرفه)، أو أم فقدت قدرتها على الاحتواء. هذه الأمثلة كلّها تُطابق النوع الثاني من الفقد المُلتبِس، حيث نشهد حضور جسدي مع غياب نفسي.

في السياق الفلسطيني نرى أنّ الفُقدان المُلتبِس هو حالة جماعية ممتدة، والفَقْد هنا ليس فرديًا بل هو متكرّر ومُزمِن وعابر للأجيال وغير مكتمل، فالكثير من قصص الشهداء والمفقودين تُعيد العائلة إلى قصص أقربائهم وأحبّتهم من أجيال سابقة والذين فُقدوا قبل عقود، مثلما حصل مع السيّدة انتصار أبو سرور، والدة الشهيد المحتجز جثمانه، منذ 18 نيسان 2016، عبد الحميد أبو سرور، حيث "عاشت تجربة مشابهة جدًا وهي ابنة 9 سنوات حين استشهد والدها نتيجة لقصف اسرائيلي على منطقة الفاكهاني، في بيروت، ٧/٧/١٩٨١، وبقي جثمان الوالد تحت الأنقاض سبعة أيام والأم ترفض فتح بيت العزاء إلا بإحضار الجثمان لها، فقرّر الفصيل الذي كان ينتمي له الجد، وبمساعدة شباب باقي الفصائل أن يحفروا بأيديهم الردم لينتشلوا الجثمان"؛[viii] والبعض من هذه القصص لم يعرف مصير "المفقود" إلى اليوم، كقصّة "يوسف المفقود" منذ اجتياح لبنان في حرب 1982، الذي "ظهر فجأة داخلي"، كما وصفت الباحثة والكاتبة بيسان نتيل في "البحث عن المفقود"،[ix] وهي  تحاول مساعدة صديقتها هناء أحمد في البحث عن أخيها "المفقود" محمد أسامة أحمد (32 عامًا)؛ حينها تذكّرت بيسان جدّتها عائشة رجب، التي فقدت ابنها يوسف خليل نتيل (22 عامًا) أثناء اجتياح لبنان. 

يتميّز هذا الفَقْد في الحالة الفلسطينية أيضًا، وخصوصًا في ظل حرب الإبادة المستمرة، بأنّه لا يوجد وقت للحداد ولا توجد طقوس كافية ولا يوجد أمان يسمح بالتعافي، وهذا كلّه ما يجعل من الفَقْد بُنية حياتية مستمرّة لا حدثًا عابرًا. فأشكال الفَقْد المُلتبِس، في فلسطين وفي الواقع، كما قلنا، هي ليست حدثًا بل حالة مستمرّة من انتظار بلا نهاية وغياب بلا تأكيد وموت بلا وداع ونجاة بلا طمأنينة وبقاء دون أمان. هذه الحالة وصفها والد شهيد:

"كل لحظة تمرّ علينا تزيد من حسرتنا، نحن لا نعلم مكان دفنه ولا ظروف احتجازه، نعيش ألماً مضاعفاً، ففقدان الابن هو جرح، واحتجاز جثمانه يجعل الجرح ينزف كل يوم".[x] 

 

"المصير المجهول".. حكايا معلّقة لآلاف المفقودين في قطاع غزة

هذه الخصوصية للسياق الفلسطيني تتعمّق في ظل حرب الإبادة المستمرّة منذ أكثر من عامين، وتحديدًا في قطاع غزة، حيث نشهد أنواع الفقدان المُلتبِس بأشكاله المختلفة والتي تتمحور في غيابٍ طاغٍ بلا تأكيد. في هذا السياق، وفي محاولتها لفهم التجربة النفسية الفريدة والمعقّدة التي يعيشها أفراد عائلات المختفين قسريًا، تقول بوس إنّ الطبيعة الغامضة والمُلتبِسة للاختفاء (عدم وجود جثمان، عدم اليقين حول مصير الشخص) تمنع عملية الحداد الطبيعية وتؤدي إلى حالة من "الجمود" ومن عدم الوضوح التي قد تستمر لسنوات بل عقود.[xi]

ففي غزة نجد أشخاص تحت الأنقاض وتحت الركام بلا توثيق،[xii] ونجد انقطاع الاتصال بالعديد من الحالات كالصحفيين الذين انطلقوا مع بدء "عملية طوفان الأقصى" لتغطية الأحداث وانقطع التواصل معهم،[xiii] كما نجد جثامين لا يمكن التعرّف عليها،[xiv] ونجد ظاهرة دفن جثامين الشهداء دون وداع (المقابر الجماعية)، بالإضافة إلى جريمة نبش المقابر من قبل جيش الاحتلال وسرقة جثامين الشهداء والعبث فيها،[xv] بالإضافة إلى الشهداء الذين تبخّرت أجسادهم ولم يُعثر لهم على أي أثر.[xvi] كل هذا يعمّق الفقد المُلتبِس. والأطفال في غزة لا يسلمون من هذه الحالة، فقد قالت منظمة إنقاذ الطفولة "إنه يُقدر أنّ ما يصل إلى 21 ألف طفل في عداد المفقودين وسط فوضى الحرب في غزة، حيث علق العديد منهم تحت الأنقاض، أو تم احتجازهم، أو دفنوا في قبور مجهولة، أو فقدوا الاتصال بعائلاتهم".[xvii]،[xviii]

في ظل هذه الظروف والأشكال المختلفة من الفُقدان المُلتبِس، حيث يُشكّل الاختفاء القسري "أعلى درجات الخسارة الغامضة"،[xix] ويخلق جرحًا نفسيًا فريدًا ودائمًا، فإنّ تعليق الحداد هو القاعدة؛ وهنا تؤكّد بولين بوس أنّه لا يمكن للإنسان أن يحزن حقًا دون يقين.[xx] مع هذا، في غزة لا وقت للبكاء ولا طقوس ولا استقرار ولا نهاية واضحة؛ والنتيجة هي حزن مؤجّل وتوتّر دائم وإنهاك نفسي.

تصف إحدى السيّدات من غزة، التي فقدت الاتصال بزوجها مع بداية العدوان على القطاع، هذه الحالة قائلة: "أعيش حالة من الانفصال، أحيانا أرى أنه من الأهون عليه أن يكون شهيدا من أن يتلقى عذاب السجون، ولكني حين ترهقني التربية ويستنزفني الشوق، أتمنى أن يكون أسيرا يقضي محكوميته ثم يعود إلي".[xxi] هذه الحيرةٌ تجعلها عاجزة أمام أطفالها الذين لا يكفّون عن السؤال عن والدهم، إذ يصعب عليها أن تشرح لهم معنى "المصير المجهول"، فلا تستطيع الإجابة عليهم سوى بالدموع وطلب الدعاء له، فتضيف قائلة: "لم تيأس طفلتي (8 سنوات) من محاولات الاتصال المتكررة كل ليلة على هاتف والدها المغلق، وهي تلح عليّ بأنها تريد سماع صوته لدقيقة واحدة فقط".[xxii]

 

الأثر النفسي للفقدان المُلتبِس

كيف يعمل الفقد المُلتبِس هنا نفسيًا؟

إنّ من أهمّ وأصعب الآثار النفسية للفُقدان المُلتبِس هو أنّه يُعطّل الحداد الطبيعي. في علم النفس، الحداد يحتاج اعترافًا بالخسارة وطقوسًا ونهاية رمزية، والفُقدان المُلتبِس، بأشكاله المختلفة، يمنع كل ذلك، فيبقى الحزن مُعلّقًا ومجمّدًا والحياة كذلك.[xxiii]

الشهادة التالية، لابن عن أمه البالغة من العمر ثلاثة وسبعين عاماً والتي أُعدمت على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، واحتجز جثمانها وجمّد في ثلاجات الاحتلال، توضّح لنا الصورة، حيث قال: "حين يُدفن الميّت نرتاح، رأيت الفرق في حياتي وحياة إخوتي وأخواتي. حين استعدنا جثمان والدتي ودفناها بعد احتجازها لمدة شهر ونصف الشهر، حينها فقط استطعنا أن نعود ببطء لحياتنا، شعرنا بالرّاحة لأننا علمنا أين هي وبإمكاننا زيارتها متى نشاء".[xxiv]

أثر نفسي آخر للفُقدان المُلتبِس هو استمرار التعلق القسري، فالجثمان المحتجز أو المفقود يصبح رمزًا للانتظار ومركزًا للأمل وللغضب ونقطة تعلّق نفسي مزمنة، وبالتالي العائلة لا تستطيع الانفصال، ولا تستطيع إعادة تنظيم حياتها، ولا تستطيع إعادة تعريف علاقتها بالفقيد.[xxv]

من الآثار النفسية الأخرى للفُقدان المُلتبٍس نجد أيضًا تضخّم الشعور بالعجز والمهانة. في هذا السياق بولين بوس تشير إلى أن الفقد المُلتبِس غالبًا ما يرتبط بفقدان السيطرة وبالإذلال وبغياب العدالة، واحتجاز الجثمان أو الجثمان المفقود يحرم الأسرة من أبسط حقوقها الإنسانية ويعمّق الإحساس بانعدام القيمة ويزيد الصدمة الأخلاقية (Moral Injury).[xxvi]

الصدمة الأخلاقية هنا هي جرح نفسي–أخلاقي ينشأ عندما يُنتهك نظام القيم العميق للفرد (وأهمها حرمة الميّت) أو يُجبر على العيش مع ظلم فادح دون قدرة على الفعل أو يُحرَم من الاعتراف، أو العدالة، أو المعنى الأخلاقي لما جرى، كما هو حاصل في قطاع غزة؛ وللخروج من هذه الصدمة الأخلاقية ومن حالة العجز ورفضًا للظلم الواقع عليه، واحترامًا لواجبه العائلي والديني والأخلاقي، رأينا كيف أنّ أبا إسماعيل حماد (محمود)، الأب الذي فقد أفراد عائلته تحت ركام بيته، قام بقلب أطنانًا من التراب ليُلَملم أشلاء أحبّته ويكرّمهم ويوفيهم حقهم بالدّفن الكريم. هذا لا يُعفي المؤسسات الدولية ولا المحلية في أن تقوم هي بهذا الدور وبهذا العمل الذي قام به لوحده مستعينًا بساعِديْه وبمُنخل عادي.[xxvii] إذن، فالصدمة الأخلاقية ليست خوفًا (كما في PTSD)، بل هي شعور بالخيانة وبالذنب وبالعجز الأخلاقي وبالغضب الوجودي. هنا يستحضرني ما كتبته نادرة شلهوب-كيفوركيان عن "الاقتدار باللّملمة"، حيث يبدع الفلسطيني في لملمة أشلاء الجسد واحترام قدسيّتها، "للمِّ شمله، وبالتالي لملمة شملنا النفسي، والاجتماعي، والجيو-سياسي..".[xxviii]

هذه الآثار النفسية تُفسّر لنا لماذا يُعدّ هذا النوع من الفَقْد شديد الخطورة نفسيًا! فبحسب الإطار النظري الذي صاغته باولين بوس فإنّ الفُقدان المُلتبِس يؤدي إلى حزن مزمن وقلق مستمر واكتئاب معقّد وشعور دائم بعدم الاكتمال وصعوبات في المعنى والهُوية وانتقال الألم عبر الأجيال؛ وهذا يحصل لأنّ العقل لا يستطيع إنهاء قصة لم تُغلق.[xxix]

 

كيف نتعامل مهنيًا مع "الفقدان المُلتبس" ومع أسر الشهداء المفقودين والشهداء المحتجزة جثامينهم؟

المبدأ الأساسي هنا هو أنّنا لا نحاول "حل" الفَقْد، بل نساعد على التعايش معه دون إنكار أو كسر.[xxx] انطلاقًا من هذا المبدأ، هناك العديد من أدوات الدعم النفسي التي يمكن أن تساعد العائلات والأشخاص الذين يعانون أو يختبرون شكلًا من أشكال "الفُقدان المُلتبِس"، مثل التسمية، كالقول مثلًا "إنّ ما تعيشونه هو فقدان مُلتبِس، وهو ليس ضعفًا أو عجزًا"؛ هنا التسمية وحدها مريحة. وأيضًا الاعتراف بعدم العدالة، وعدم التحييد الزائف والاعتراف بأنّ ما يحدث غير عادل وأنّ الألم مفهوم ومشروع، والإشارة بشكل واضح وصريح إلى الجناة وإلى الاحتلال، وإلى التواطؤ الرسمي العربي والإسلامي والدولي، وإلى المعايير المزدوجة التي تنتهجها معظم المؤسسات الدولية، "الحقوقية والإنسانية"، في التعامل مع جثامين الشهداء الفلسطينيين مقابل جثامين الاحتلال.

كذلك، من المهم في هذا الجانب أيضًا إنشاء الطقوس البديلة، ولأن جثمان الشهيد "غائب"، ومحتجز ومخفي، يمكن إنشاء مكان رمزي، كالجداريات والنُصب التذكارية وكتابة أسماء الشهداء عليها، حين تسمح الظروف في القطاع بذلك، ويمكن أيضًا كتابة رسائل "وداعية" أو رسائل "لم ترسل" وإقامة طقوس وجلسات دعاء وذِكر وزراعة أشجار "رمزية". إنّ هذه الطقوس البديلة لا تُنهي الفَقْد لكنها تُعيد بعض السيطرة والمعنى.

وممّا يساعد أيضًا، هو أو نكون كمهنيين واعين إلى أهمية عدم الضغط نحو "التجاوز"، ومهم أيضًا أن نتجنّب عبارات مثل "اصبروا والله يعوّض عليكم" أو "الزمن كفيل" وغير ذلك، واستبدالها بكلمات حقيقية وواقعية مثل "هذا وضع قاسٍ وما تمرّون به مفهوم وأنتم لستم وحدكم" وتأكيدات أو تصريحات من هذا القبيل. عند تقديم الدعم النفسي للعائلات، في مثل هذه الظروف، فعمليًا ما نقوم به هو "تطبيع" للمشاعر دون تطبيع للألم، لهذا يكون من المفيد أن نقول مثلًا: "إنّ ما تشعر به مفهوم في ظرف غير طبيعي"، وأيضًا: "من الطبيعي أن تتناقض مشاعرك"، و"ليس مطلوبًا منك الحسم أو النسيان" ("انسَ أن تنسى")! طبعًا، كما قلنا سابقًا، فإنّه من المهم إن نتجنّب مقولات مثل "لازم تتجاوز" أو "الوقت كفيل" أو الحثّ على القوّة! هنا القاعدة هي استخدام لغة داعمة غير مؤذية في عملنا المهني. قد تساعد مثل هذه اللغة الداعمة في العمل على إيجاد المعنى بدل الحل، وهنا ممكن أن نسأل، مثلًا، "ما الذي يساعدك على الاستمرار رغم الغموض؟" أو "ما الذي يمنحك إحساسًا بالارتباط؟" أو "من يشبهك في هذه التجربة؟".[xxxi]،[xxxii]في هذا السياق، فإنّ الدعم المتبادل بين عائلات الشهداء المحتجزة جثامينهم، وعائلات "المفقودين والمختفين قسرًا"، لهو أكبر مصدر قوّة لهم، وهو من أهمّ أشكال الدعم النفسي لهذه العائلات.[xxxiii]

علينا أن نتذكّر كمهنيين، أيضًا، وأن نكون واعين، إلى أهمية حماية أنفسنا عاطفيًا ونحن نقدّم خدمة الدعم النفسي للأسر الثاكلة وللأسر التي تعيش تحت وطأة ثقل تجربة "الفُقدان المُلتبٍس"، لأنّ الفَقْدَ المُلتبِس قد يكون مُعدِيًا عاطفيًا![xxxiv] في هذا السياق، قد يكون من المفيد أحيان أن نعترف، كمهنيين، بالعجز في تقديم "إجابات" أو في التخفيف من مأساة تجربة العيش مع اللايقين ومع المجهول. من جهة أخرى، فقد يكون من المفيد أن نتبنى "العمل الجماعي" في تدخّلاتنا، كذلك الأمر في الحرص على وجود "الإشراف المهني" بشكل دوري ومتخصّص بأشكاله المختلفة، مع التأكيد على أهمية "إشراف الأقران" تحديدًا للزملاء العاملين في قطاع غزة.  إضافة إلى أنّ الفصل بين الدور المهني والإنساني وعدم تبني دور "المنقذ" هما من الأمور التي تساعدنا على عدم الاستنزاف العاطفي والاحتراق الوظيفي. في النهاية علينا أن نتذكّر دائمًا أنّ دورنا كمهنيين ليس حل هذا الفَقْد، بل مُرافقة الناس في تحمُّلِه، وتسمِيَتِه، والدفاع عن حقّهم في أن يُرى وأن يُعترف به. مع ذلك، فإن دورنا أيضًا قد لا يقتصر داخل الغرفة العلاجية، بل أن نُساهم أيضًا "ببناء مساحات ترابط، وعمل مشترك، وانطلاق جمعي وعاطفي وسياسي-اجتماعي وفردي لمناهضة الإماتة والتيتيم والإثكال والتي تتجسد من خلال تمكين وإنتاج مسارات جديدة لمناهضة القوة والألم والفقدان".[xxxv]

 

توظيف مفهوم "الفُقدان المُلتبِس" في خطاب المناصرة

على ضوء ما جاء أعلاه، فإن توظيف مفهوم "الفقدان المُلتبِس" في خطاب المناصرة، يشكّل أحد الأدوات الي يمكن أن نقدّمها في خدمة قضية أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم والشهداء "المفقودين" والمخفيّين قسرًا؛ حيث إنّ عملية المناصرة ليست فقط نقل أرقام، بل نقل معنى المعاناة دون إعادة إيذاء الناس. لهذا، فإنّ مفهوم "الفُقدان المُلتبِس" يمنح لغة إنسانية وقانونية ومهنية بدل ضحايا أو أرقام، أو خسائر؛ فممكن أن نتحدث، مثلًا، عن أُسر تعيش في حالة انتظار لا تنتهي.

مفهوم "الفُقدان المُلتبِس" يخدم خطاب المناصرة أيضًا من خلال أنه يُظهر ويفسّر آثار الحرب طويلة الأمد، فهو يساعد صناع القرار والمتضامنين على فهم أنّ الضرر النفسي لا ينتهي بوقف القصف، وعمليًا القصف لم يتوقّف، ولم ينتهِ بإعلان "وقف إطلاق النار".

 

"لأنّ كلّ اسم قصّة، وكلّ غياب جرح"[xxxvi]

في النّهاية، فإنّ الآلاف من الشهداء المفقودين تحت الأنقاض وآلاف الأسرى المخفيّين قسرًا في سجون الاحتلال والشهداء المحتجزة جثامينهم وعائلاتهم ينتظرون العدالة وكشف المصير.

إنّ العيش في ظل الغموض هو حقاً أحد أقسى المشاعر الإنسانية التي يمكن أن يمرّ بها أي شخص.

إنها معاناة مستمرة، لا تنتهي، تخلط بين الأمل والألم. فغياب اليقين حول مصير عزيزهم يحوّل الحياة إلى جحيم من التساؤلات التي لا إجابة لها: هل هو على قيد الحياة؟ هل يعاني؟ متى سيعود؟ ماذا حدث له؟ 

إنّه فقدان مُلتبِس (Ambiguous Loss هذا النوع من الفقدان، والغموض الذي يرافقه، يسبّب ألمًا نفسيًا شديدًا، يتميز بـ:

  1. صدمة مستمرة: حيث لا توجد نقطة نهاية للحداد أو للقلق، ممّا يمنع الأهل من تجاوز الصدمة وإكمال عملية الحزن بشكل طبيعي.

  2. تعلّق بأدنى بصيص أمل: أي خبر غامض أو تقرير غير مؤكّد يمكن أن يعيد إشعال الأمل، ثم يتبعه خيبة أمل وألم مرة أخرى، في حلقة مفرغة.

  3. شعور بالعجز والظلم: العجز عن المساعدة أو معرفة الحقيقة يولد غضبًا عميقًا وإحساسًا بالظلم.

  4. تأثير على الحياة اليومية: يصعب المضي قدمًا في الحياة، والتخطيط للمستقبل، أو حتى الاهتمام بالأنشطة اليومية العادية.

 

إن جرائم الاحتلال، من احتجاز لجثامين الشهداء ومن إخفاء قسري للأسرى ومن عشرات آلاف الشهداء الذين يمنع الاحتلال من انتشال جثامينهم، لهي من أبشع الجرائم، فهي لا تؤثر على الضحايا فحسب، بل تمزق نسيج عائلاتهم وتتركهم في دوامة من المعاناة التي لا تنتهي.